‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

2011/02/13

نِعم المال الصالح يا صالح




بسم الله الرحمن الرحيم



نِعم المالُ الصالحُ يا صالح !





الحمد لله الذي جعل الموت والحياة فتنة ، ليبلونا أيّنا أحسن عملاً ، الحمد لله على كل حال ، الحمد لله أن جعل المؤمنين إخوة ؛ يرحم كبيرهم صغيرهم ، ويحنو غنيهم على فقيرهم ، وكذلك بحقٍّ يعيشون .
جاء في المثل " كل ذي نعمة محسود " كما جاء في كتاب تاج العروس ، ومع صحة هذه المقولة إلا أنني لم أجد نصيبًا من الواقع في حياة الراحل الشيخ / صالح بن عبد العزيز الراجحي – رحمه الله تعالى – فمع ما أسبغ الله عليه من نعمه العظيمة الدينية والدنيوية ن إلا أن حبَّ الناس له ، ودعاءهم له حيًّا وميتًا لا يزال في ازدياد ! فما السرُّ في ذلك ؟ لعلّ من أسباب حب الناس للفقيد – رحمه الله – سلامة صدره ، وحبّه الناس ، وعدم حسده أحدًا ، ومن خالطه في عمره المديد وقف على الكثير الكثير من ذلك ، ولذلك قلّما نجد – في تقديري – رجلاً بحجم الشيخ صالح الراجحي – رحمه الله – وبحجم حبّ الناس له غنيهم وفقيرهم ، أمرائهم وعامتهم.
نقل الإمام ابن تيمية عن الإمام أحمد – رحمهما الله تعالى - أنه قال : " آيَةُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ يَوْمُ الْجَنَائِزِ " ثم علَّق ابن تيمية قائلاً : "فَإِنَّ الْحَيَاةَ بِسَبَبِ اشْتِرَاكِ النَّاسِ فِي الْمَعَاشِ يُعَظِّمُ الرَّجُلُ طَائِفَتَهُ فَأَمَّا وَقْتَ الْمَوْتِ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاعْتِرَافِ بِالْحَقِّ مِنْ عُمُومِ الْخَلْقِ . وَلِهَذَا لَمْ يُعْرَفْ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُ جِنَازَتِهِ : مَسَحَ الْمُتَوَكِّلُ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَوَجَدَ أَلْفَ أَلْفٍ وَسِتَّمِائَةِ أَلْفٍ ؛ سِوَى مَنْ صَلَّى فِي الْخَانَاتِ وَالْبُيُوتِ وَأَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عِشْرُونَ أَلْفًا " مجموع الفتاوى 4 /11.
ومن حضر جنازة الشيخ صالح الراجحي – رحمه الله تعالى – عصر الأحد المهيب ، في جامع الراجحي ، أو في المقبرة علم أن الموعد حقًّا يوم الجنائز ، فإن اتباع الميت – على الأصل – لا يصحبه طمع ، ولا رغبة فيما عنده ، ولا خوف منه ! وكيف يكون ذلك وهو الآن لا يملك لنفسه حولاً ولا قوة ! من رأى تلك الحشود ورأى مدى الحزن المخيّم عليهم علم أن المحبة أمر يضعه الله لمن يشاء من عباده ، وإني لأرجو للفقيد أن يشمله قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث القدسي الصحيح : " إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ قَالَ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ قَالَ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ قَالَ فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ " ، فإن الظاهر والله تعالى أعلم أن الفقيد ممن جُعل له القبول في الأرض ، هكذا نحسبه والله حسيبه ، ولا نزكي على الله أحدًا.
كثيرون هم أرباب الأموال في هذه الدنيا ! وكثير منهم في عالمنا العربي ، ومن هذا الكثير كثيرٌ في بلادنا ! ولكن كم هم الذين عمَّ نفعهم أهل البلد أو كاد ؟! كم مِن أثريائنا مَن حرص كما حرص الشيخ صالح الراجحي – رحمه الله – على استثمار أمواله فيما يعود نفعه على البلاد والعباد دون أن يضرَّ ذلك بمصالحه ! إن المتأمل في استثمارات الشيخ الفقيد – رحمه الله تعالى – يرى كيف عاد نفعها على توظيف الآلاف من أبناء المسلمين ؟ إني لأرجو أن يلاقي الشيخُ ربَّه وما جعل أمواله في حاناتٍ ولا فاسدٍ من القنوات ! إني لأرجو أن يلاقي الشيخُ ربَّه وما سخَّر ما استخلفه الله عليه بنشر السيء من القول والماجن من الفعل ! إني لأرجو أن يلاقي الشيخُ ربَّه وقد تحقق فيه قول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن العاص - رضي الله عنه -: " يا عمرو نِعْمَ المالُ الصالحُ للمرءِ الصالحِ " رواه البخاري في الأدب المفرد ص 112 ، وقال الشيخ الألباني : صحيح. فيا صالح الراجحي ويا أغنياءنا الكرام : نِعْمَ المالُ الصالحُ للمرءِ الصالحِ .
ويا أولاد الشيخ صالح الراجحي من بنين وبنات على نهج أبيكم فسيروا ، فإن الذكر الحسن هو الذي يبقى للمرء ، إنَّ المشاريع الجبَّارة التي وفَّق الله تعالى لها والدكم الفقيد – رحمه الله تعالى – ستظلُّ بإذن الله وتوفيقه ثم برعايتكم إياها وحرصكم على تنميتها باب خير ومعينًا صافيا لا يزال خيره يتدفق على أبيكم الغالي وهو مرتهن في قبره ، في دار الوحدة ، ولحد الغربة ! فعسى أن تكون تلك المشاريع بمحافظتكم عليها أنيسه حين يحتاج إلى الأنيس ! وجليسه وقد فارق الجليس !
أيها الأولاد الكرام من بنين وبنات كونوا بعد أبيكم كأبيكم !

بأبِهِ اقتدى عديٌّ في الكرمْ
ومَنْ يشابهْ أبهُ فما ظلمْ

واحرصوا على استمرار ذِكْر أبيكم – رحمه الله – كما قال أحمد شوقي:

فارفع لنفسك بعدَ موتكَ ذكرها
فالذكرُ للإنسان عُمرٌ ثاني

وأخيرًا فالموت حقيقة أشبهت الخيال ! الموت آية من الآيات ! بها نهاية كل مخلوق ، طال عمره أم قصُر ، اغتنى في دنياه أم افتقر ! الموت في النهاية هو لهذه الدنيا النهاية ! الموت آتٍ لا محالة لا يدفعه مُلْكُ مَلكٍ ، ولا غِنى غنيٍّ ، كلا ولا حُبُّنا من نحبُّ بدافعٍ عنهم الأجل إذ تمَّ ! وإذا كان ذلك كذلك ! وكان دفع الموت محالاً فالعقل والنقلُ يحثاننا على الاستعداد لما هو قادم لا محالة.
رحم الله الفقيد الغالي ( صالح بن عبد العزيز الراجحي ) ووالديّ وجميع المسلمين رحمة من عنده نسعد بها سعادة أبدية ، وألهم الله أهل الفقيد وذويه الصبر والسلوان، والله من وراء القصد.




د/ إبراهيم بن عبد الله الغانم السماعيل
مغرب الأحد 10 / 3 / 1432هـ
13 / 2 / 2011 م

2010/09/05

وداعًا يا كرسي أمي


وداعًا يا كرسي أمّي !!


كان ضحى يوم الأربعاء 3 / 1 / 1430هـ هو اليوم الأخير الذي تشرفت فيه بأن أكون خادم أمي – رحمها الله تعالى – في كرسيها المتحرك الذي طالما كان لي معه ومعها صحبة !
( كرسي أمي ) فارقها أو فارقته ضحى ذلك اليوم دون عِلم أحد منا (نحن الثلاثة) أن ذاك الضحى هو آخر ساعة ستجمعنا معًا كما اجتمعنا أيامًا عديدة ، ذهبنا ذاك الضحى إلى مدينة الملك فهد الطبية لمراجعة اعتيادية ! ولكن الاستشارية أصرت على تنويم (أمي نورة) لأن حالتها لا تسمح بخروجها ، فرجعت مساءً أنا والكرسي دون أمي ، حيث مكثت أمي – رحمها الله – في المستشفى من ذلك الضحى 3 / 1 / 1430 هـ إلى أن كتب الله الخروج منه ضحى السبت 3 / 3 / 1430هـ ولكن هذا الخروج كان إلى مغسلة الأموات في جامع الراجحي ! وبالطبع خرجت محمولة ولم يصحبها كرسيّها !
وفي العشر الأواخر من رمضان المبارك 1431هـ أخذت ( كرسي أمي ) رحمها الله ، معي إلى مكة المكرمة لأجعله في المكان الذي طالما كانت ترتاح فيه حيث الحرم الشريف ، صحبت ( الكرسي ) وليس عليه ( أمي ) ! وطلبت من القائمين على خدمة ضيوف الرحمن أن يقبلوه ( وقفًا للمسجد الحرام ) ، وبكل أريحية ولطف أخذه أحد شبابنا السعوديين العاملين في المكان المخصص للعربات ليكتب عليه ( وقف للمسجد الحرام ) وودعني بالدعاء لمن كانت تنير هذا الكرسي – رحمها الله –
خرجت مودِّعًا ( كرسي أمّي ) وأنا أحمل معي أحمالاً من الذكريات !
أسائلك أيها ( الكرسي ) أتذكر مثلي عندما كانت ( أمي نورة ) رحمها الله تجافي ظهرها عنك حتى تخفف عليَّ دفع الكرسي !
أتذكر عندما كانت – رحمها الله – تقول لي بحضورك يا وليدي بإمكاني أن أمشي ، خلني أنزل تعبتك يا ولدي !
أظنك لم تشعر بها – رحمها الله – وهي تخرج من حقيبتها ما تفرح به العاملات والعاملين في المستشفى والممرضات بما تخفيها حتى عنك لئلا تحرج المحتاج !
لكنني أظنك كنت تراني وأنا أرتفع على الدنيا كلها حينما أنزل إلى موضع (قَدَمَيْ أمي) رحمها الله ؛ لأصلح لها موضع القدمين منك أيها الكرسي ، وهي تردد كلما تكرر مني هذا العمل ( الله يرفع قَدْرك يا ولدي ) .
أيها الكرسي هل كنت تشعر بالغبطة والسرور عندما تراني أقبِّل ( رأس أمّي ) رحمها الله أثناء سيرنا من وإلى العيادات وهي ترد على قبلاتي بقولها ( حبِّكْ ربّي ).
أيها الكرسي ما شعورك وأنت تستمع إلى أحاديثنا الطويلة التي أحاول بها أن أخفف على ( أمي ) رحمها الله طول الانتظار في ( شباك الصيدلية ) .
أيها الكرسي كيف كنت وأنا أدنيك جدا من باب السيارة حتى لا أضطر ( أمي ) رحمها الله أن تمشي خطوة واحدة !
وأخيرًا ( أيها الكرسي ) هل شعرت بي وأنا وأنت فقط عند الحرم عندما قبّلتك أنت قبلات ممزوجة بدموع تتوارى عن أعين المعتمرين ! نعم قبّلتك وأنا أستحضر ذلك الجسد الطاهر الذي كان عليك يومًا من الدهر ! قبّلتك ولكني لم أسمع هذه المرة ( حبِّكْ ربّي ) !
رحم الله أمي الغالية ( نورة بنت عبد العزيز بن غنيم المانع ) التي لا تزيدنا أيام فراقها إلا تعلقًا بها ، وشوقًا إليها .

د / إبراهيم بن عبد الله الغانم السماعيل

ليلة 27 رمضان 1431هـ

2010/05/29

صبرًا أميرنا البار


بسم الله الرحمن الرحيم



صبرًا أميرَنا البارّ
ورحم الله والدَتكم ( الساجدة )


رحم الله والدة سمو الأمير ( أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن آل السعود ) ووالديّ وجميع المسلمين ، فلقد كان عصر الأربعاء 12 / 6 / 1431هـ عصرًا مهيبًا حزينًا ! لقد اجتمعت الجموع المختلفة الطبقات متبعة جنازة والدة سمو الأمير الصالح ، جنازة اجتمع فيها الأمير والمأمور ، الصغير والكبير ، الغني والفقير ، حتى أمست تلك الجنازة ( جنازة شعبية ) فيها المجتمع بألوان طيفه كاملة.
والمشهد الذي لا يمكن – لمن حضر تلك الجنازة – أن ينساه هو ما تمتع به أميرنا المحبوب ( الأمير أحمد ) من صور البرّ بوالدته الراحلة – عليها وعلى والدتي والمسلمين رحمة الله – فمن صور البر أن لازم الابن البار والدته المسجاة في سيارة الإسعاف ، وكأني به يحاول أن يملأ عينه من الجسد المغطّى ولو لمزيد دقيقتين أو ثلاث ( زمن المسافة بين المسجد والمقبرة ) ، إنها صورة تنطق بكل معاني البرّ ، وتوحي بهول المصيبة ، ولوعة الفراق !
يا ترى ما الذي خطر في بالكم – يا سموَّ الأمير – وأنتم تصاحبون والدتكم في المشوار (الدنيوي) الأخير ؟! هل استذكرت يوم أن كنت تصحبها وأنت طفل صغير ؟ هل تذكرت عندما ركبت معكم في بدايات قيادتكم السيارة ؟ وهي ترى كيف كَبُرَ طفلها فأصبح رجلاً ؟ يا ترى ما عساها أسعفتك الذاكرة في تلك اللحظات الوداعية ؟!
ولقد زاد ذلك الموقف خشوعًا وإجلالاً عندما أنكر سموّ ( الأمير البارّ ) إنكارًا شديدًا على من أراد من سموّه ألا ينزل في القبر لمواراة والدته الثرى ! أنكر سموّه ذلك الأمر إنكارًا مصحوبًا بالعَجَب ! وعجَبًا محمّلاً بألفاظ الإنكار ! كيف تريدني ألا أنزل في قبر أمّي ؟! ولسان حاله يقول : كيف أفرِّط في مزيد من الوقت أكون فيها أقرب إلى ( جَسَد أمّي ) ؟! كيف أزهد في ملامسة الجسم الحنون ، والأم الرؤوم ملامسة لا عودة لها قبل يوم الحشر !! نزل سمو الأمير الصالح في قبر والدته وقام بإنزالها في قبرها ، ووضعها في لحدها ، وحلِّ رباط كفنها ! ويا لها من لحظات !! أنَّى للوصف أن يحيط بها !
ولما انتهى سموّه من صف اللبنات ، وكان آخر الخارجين من القبر ، ازدحم المعزّون للقيام بواجب العزاء، إلا أن سموّ ( الأمير المصاب بأغلى الأحباب ) ترك المعزّين – مع احترامه إياهم – ورجع إلى القبر ليكمل أعمال الدفن ، فيهيل التراب ، ويحمل ( عربات أحجار البحص ) ، ويرش الماء ، ولما تمَّ القبر على السُّنة - كما هو الحال في عموم قبورنا في هذه البلاد والحمد لله على المنّة بظهور السُّنة – لما تمَّ ذلك قام أميرنا الصالح على قبر والدته القيام المشروع ؛ حيث وقف حيال رأسها ولهج بالدعاء ، وما أحوجها ذلك الوقت إلى الدّعاء " ...أو ولدٍ صالحٍ يدعو له " .
سموَّ الأمير كأنّي بكم والحال تلك تردِّد معي :

أمَا والتُرْبُ قدْ غطّتْكِ (أمّي)
فـغايةِ مُـنْيَتي أني الفِداءُ!

وكيفَ يطيبُ عَيشي فوقَ أرضٍ
و(أمّي) تحتَها ؟ أنّى الهناءُ؟!

وما دامَ الثرى واراكِ (أمّي)
فـكـلُّ لذائـذِ الـدّنيا هَباءُ


سموَّ أميرنا المحبوب ، إنّ مما يخفّف المصاب ، ويطوي الأحزان ، وينسي الآلام ، ما وفَّق الله تعالى إليه والدتكم الراحلة من ( حُسنِ الخِتام ) ، وأيُّ موت أطيب من موتٍ على سجادة الصلاة ؟!
إنَّ رحيل والدتكم الكريمة طاهرة مصلية ( ساجدة ) لله رب العالمين لرحيلٌ مبارك – هكذا نحسبها والله حسيبها ولا نزكيها على الله تعالى – ألم يقل الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - : " يُبعَثُ المرءُ على ما ماتَ عليه " ؟ وما أطيبه من بعث يوم يقوم الناس لربّ العالمين ، وتقوم فقيدتكم الغالية تنادي ( سبحان ربي الأعلى ، سبحان ربي العظيم ) ! ألسنا نؤمن بقول رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - : " إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا استعمله " قالوا : كيفَ يستعمله يا رسولَ الله ؟ قال عليه الصلاة والسلام : " يوفقه لعملٍ صالحٍ ثم يتوفاه عليه " ، الله أكبر ما أعظم فضل الله على عباده ! هو الذي يوفقه للعمل الصالح ، وهو الذي يتوفاه عليه ! ولعلَّ من هذا الباب ما ورد عن بعض السلف أنه كان يكثر من سؤال الله تعالى ( الميتة الحسنة ) فقيل له ، وما الميتة الحسنة ؟ قال : أن يتوفاك الله وأنت ساجد !
أميرَنا البارّ ، إنَّا لنرجو من الله تعالى أن تكون والدتكم الراحلة قد لقيت أجر أيتامٍ وأراملَ طالما رعتهم وكفلتهم أيام حياتها ، والله كريم لا يضيع أجر مَن أحسن عمَلاً .
أسأل الله تعالى للفقيدة الكريمة ولوالدتي وجميع المسلمين مقعد صِدقٍ عندَ مليك مقتدر ، وأن يحسن لنا جميعًا الختام ، فإنما " الأعمال بالخواتيم " !
أعانكم الله – يا سموَّ الأمير – على هذا المصاب الجَلَل ! وملأ قلبكم بالرضا والاطمئنان، وألهمكم وذويكم بَرْدَ السلوان ، واحتساب الأجر من الكريم المنان .
ومسك ما أختم به مقالتي أن أذكّر بما رواه الإمام أحمد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها – أي قدُم عهدها – فيُحْدِثُ لذلك استرجاعًا ، إلا جدد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب " ، وبحفظ الله دمتم .






د / إبراهيم بن عبد الله السماعيل

السبت 15/ 6 / 1431هـ

2010/05/19

الأيتام أولى بهللات الصيدليات



بسم الله الرحمن الرحيم

الأيتام أولى بهللات الصيدليات


كثيراً ما يخطر في بالي كُبرى المبادرات التي رُبما بدأت من صِغار الاقتراحات ، ومِن ذلك ما نشرته الصُّحف قبل أيام عن خبر مفاده أنَّ شركة العثيم ممثلة بصاحب الابتسامة المشرقة ، والروح المحبة للعطاء الشيخ (عبد الله بن صالح العثيم ) قد سلموا (شيكاً) بمبلغ يزيد على نصف مليون ريال لإحدى فروع مؤسسة سلطان الخيرية ، والشاهد من الخبر أنَّ هذا المبلغ كان حصيلة ( هللات ) يتبرع بها المشتري من أسواق ( العثيم ) إذا كان في فاتورته ( بضع هللات ) زائدة على الريال الصحيح ، والخبر يعبر عن نفسه ، دون مزيد تعليق ، فكم هو عظيم أن يصل مبلغ بهذا القدر إلى المحتاجين ، مع أنَّ أصل المبلغ ( اجتماعُ الهللِ ) .
ومن هنا فكمْ يشرفني أنْ أرفع إلى مقام سمو أميرنا الكريم الأمير سلمان بن عبد العزيز ذي اليد الحانية ، والعين التي لمصالحنا تظلَّ ساهرة ، أرفع إليكم يا ( أبا الأيتام ) هذا الاقتراح : ماذا لو اُستفيد من الهللات التي أصبحت شبه ملازمة لبعض ( الأدوية ) ، بدءاً بالمسكنات كـ(البنادول ) ، وانتهاءً بالأدوية التي تتجاوز المئين من الريالات ، يا ( أبا الأيتام ) أليس أنفعَ للمتبرع وللأيتام أن تذهب ( هللات ) الأدوية إلى اليتيم الذي كفالته – ولو بهللات – سببٌ لمرافقة النبي – ‘ – في دار النعيم ، كما صحَّ بذلك الحديث .
إنَّ وصول هذه ( الهللات ) إلى الأيتام أحبُّ إلينا من ( مناديل ) يضعها الصيدلي مع كيس الأدوية تقابل ( الهللات ) التي فوق القيمة ، هذا إذا كان في الصيدلي ( ذوق ) وأراد تطييب خاطر المشتري ، ولم يتغافل عنه وعن هللاته ، إنَّ ( مناديل الجنة ) التي ربما نفوز بها من تبرعنا لليتيم خير لنا من مناديل الصيدلية مهما كانت فاخرة .
اقتراح آمل أنْ يفوز بأجر تطبيقه ( أبو الأيتام ) صاحب السمو الملكي الأمير سلمان الذي طالما خصصتُه بالدعاء في ظهر الغيب مقابل أياديه البيضاء عامة ، ومعروفه الواصل ذوي كاتب هذا المقال خاصة ، والتي منها ما يُعرف ومنها ما هو للناس غير معلوم ، وأرجو أن يكون عند الله معلوماً ، وأن يكون سمّوه عليها مأجوراً .

د/ إبراهيم بن عبد الله الغانم السماعيل

15/10 /1428هـ

مواقف من مستشفى النقاهة




بسم الله الرحمن الرحيم

مواقف من مستشفى النقاهة
يرويها :
إبراهيم بن عبد الله السماعيل
1416هـ


الحمد لله رب العالمين ، الحمد لله القائل : - تعالى - (وما بكم من نعمة فمن الله )والقائل : - سبحانه - (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) ، والصلاة والسلام على إمامنا ونبينا محمد القائل – وهو الصادق المصدوق – " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ " رواه البخاري ، والقائل عليه أفضل صلاة وأتم تسليم " من أصبح منكم آمناً في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا " رواه الترمذي وابن ماجه أما بعد:
فإن الصحة أيها الإخوة نعمة عظيمة جسيمة كبيرة لا يقدر قدرها إلا من فقدها ؛ فهي تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى ، ومن هنا فقد اخترت لكم صوراً من حال بعض إخواننا المرضى في مستشفى النقاهة ، راجياً من الله – تعالى – لهم الشفاء ، ولنا ولكم دوام الصحة والعافية ، وأن يحيي قلوبنا بمثل هذه القصص ، والآن إلى أولاها :

( 1 ) انظر إلى هذه الصورة الدامية المبكية المؤلمة : شاب في مقتبل العمر ، قد أنهى دراسته الثانوية ، ثم التحق بالجامعة ، ولكن قدر الله – تعالى – سبق إليه ، فأصابه حادث في سيارته حينما كان في طريق من طرق أعماله في حاجة من حوائجه ، فنتج عن هذا الحادث المروري أن أُصيب هذا الشاب بشلل ألزمه الفراش ، وزيادة على ذلك فقد أُصيب في رأسه إصابة أفقدته الكلام ، فأصبح يراك ويسمعك ، غير أنه لا يستطيع أن ينبس ببنت شفة ، فلم يعد قادراً على الكلام ، و قد وُضع على صدره منشفة لتحفظ ملابسه من البلل ؛ لأنه لا يملك الخارج من فمه وكأنه طفل رضيع .
أما عن طريقة التفاهم معه فإنك تسأله عن اسمه ؟ فيحرك يده بصعوبة بالغة ليشير إلى مجموعة حروف متقطعة في حجره ، ومن مجموع الحروف تستطيع معرفة اسمه ، فيشير إلى حرف ( التاء ) ثم ( الراء ) ثم ( الكاف ) ثم ( الياء ) ، فتفهم بعد هذه العملية كلها أن اسمه ( تركي ) ، فالله المستعان ، ولله الحمد والشكر .

( 2 ) ثم رأينا رجلاً كهلاً عمره بين الأربعين والخمسين تقريباً ، قد اضطجع على ظهره والمتخصصون يجرون له العلاج الطبيعي ، وهو لا يحرك يديه ولا يملك حراك قدميه ، ولما سألناه عن سبب ما هو فيه أخبرنا أنه كان صاعداً على عمارة ليشرف على بنائها فسقط من أعلاها وأُصيب بما أُصيب .
أما المدة التي أمضاها على ظهره فإنها ثمان سنوات وأربعة أشهر ، يُغير له كما يُغير للطفل الصغير ، يزيل الناس عنه أذاه ، وينظفونه كل ساعتين ، مع القيام بتغسيله كل صباح ، ولله الحمد على نعمه .

( 3 ) وأما الشاب الآخر فاسمه ( عائض ) ، كان سائراً في سيارة مع صديقين له بسرعة ( 150كم ) تقريباً فاختل توازن السيارة مما أدى إلى حادث مروع مات فيه أحدهم ، وسلم الثاني ، وأما صاحبنا ( عائض ) فهو على فراشه منذ ثمانية أشهر ، لا يحرك إلا رأسه ، قد أُمدَّ كما يُمد الميت ، ولله الأمر من قبل و من بعد .

( 4 ) وهذا شاب اسمه ( حمود ) كان يعيش في آمال واسعة ، كما يؤمل غيره من أترابه الشباب ، فقد توجه إلى ( وادي الدواسر ) ليلتحق بالدفاع الجو ي ، وهو في طريقه لهذه الآمال ، وتلكم الأحلام ، وهاتيك الأماني ، يُصاب بحادث يلقيه مقعداً لا يتحرك إلا بصعوبة بالغة ، إذ يحرك يديه ورجليه بالأجهزة ، وقد ثقُل كلامه، وهو على هذه الحالة منذ خمس سنوات ، و لا حول و لا قوة إلا بالله .

( 5 ) ورأينا شيخاً في الخمسين من عمره ، يبتسم في وجهك ويصافحك ، ويحرك نفسه بواسطة (كرسي) للمعاقين ، فقد أُصيب بحادث مروري قبل عشر سنوات ، نتج عنه إصابته بشلل نصفي ، فما دون الحوض لا يملك منه حراكاً ، وإلى الله – تعالى – المشتكى .

( 6 ) وهذا رجل فلسطيني اسمه ( عبد الحليم ) أتيناه وهو يردد آيات القرآن الكريم ، فقد حفظ في مرضه هذا ما يزيد على خمسة عشر جزءاً ، مع أنه يحتاج إلى من يفتح له صفحات المصحف ، فإذا انتهى من صفحة فإنه يحتاج إلى من يفتح له الصفحة الأخرى ؛ لأنه قد أُصيب بشلل رباعي من جراء حادث مروري منذ عام 1407هـ ، و( كيس بوله) – كرمكم الله تعالى – ملازم له ، ولقد دخلنا عليه ذات يوم فإذا ( كيس بوله ) فوق حجره ، وقد أُحرج إحراجاً أسأل الله – تعالى – ألا يحرجني ولا إياكم هذا الإحراج ، فهو لا يستطيع تغطيته، ولا شك أنه غير راغب أن نراه في هذا المنظر ، فلله الحمد على نعمائه .

( 7 ) ورأينا رجلاً اسمه ( مرضي ) شاب في عنفوان الشباب أُصيب بحادث مروري أيضاً ، فأُصيب بشلل رباعي مباشرة ، فهو منذ ما يزيد على ( عشر ) سنوات مضطجع على فراشه ، ينادي بأعلى صوته ونحن في الممرات فلما جاء الأخصائي الاجتماعي ليرى ما سبب ارتفاع صوته ؟ وما المشكلة التي أصابته ؟ ماذا دهاه؟ ما الذي حدث ؟ أي كرب حصل لهذا المريض جعله ينادي بأعلى صوته ؟ فرأينا عجباً من العجب ! رأينا والله ما هالنا ! أتدرون لماذا ينادي ؟ لماذا يصيح مستغيثاً مستنجداً ؟ إنه يريد من أحدنا أن يرفع الغطاء عن وجهه فقد آذاه، وهو لا يستطيع أن يزيل غطاءه عن وجهه إلا عن طريق غيره ، إنْ آلمه البرد استنجد بغيره ، وإنْ آذاه الحرّ استغاث بسواه ، فلله الحمد والشكر على نرفل به من نعم عظيمة .

( 8 ) وأما الأخ ( محمد عبد الله ) من السودان فهو يسير على ( كرسي ) كهربائي يقوده بأصبع بيده اليمنى التي لا يحرك غيرها ، أما سائر أطرافه فلا يحرك منها شيئاً ، وهو على هذه الحالة منذ ما يقارب ( تسع ) سنوات بسبب حادث مروري والحمد لله .

( 9 ) ودخلنا على غرفة رجل اسمه ( نابت ) كان سائقاً لسيارات السفر الكبيرة ، فأصيب بحادث قبل (ثمان ) سنوات انتقل بسببه من السفر والتنقل والذهاب والإياب إلى ملازمة الفراش ، فلا يداه تخدمانه ، و لا قدماه تنقلانه ، بل إنه قد وُضع بجانب رأسه وهو مضطجع جرس إذا أراد حاجة مدَّ رأسه إلى الجرس ليعض عليه بأسنانه فيأتيه من يساعده ، ومساعدته تعني المساعدة بكل ما يحتاج ؛ لأنه لا يملك غير رأسه حتى ربما هيأ له غيره حبات المكسرات ، وأزال عنها قشورها ليأكلها .

( 10 ) وعن حال بعض المرضى يقول أحد العاملين : إن أحدهم ينادينا ، فإذا أتيناه قال : من فضلك أزل الذباب عن وجهي فقد آذاني ولا أستطيع طرده !!

( 11 ) أما قسم الغيبوبة ، فقد رأينا رجلاً مصاباً بالضغط والسكر وهو غائب عن الوجود منذ ( عشر ) سنوات ، لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر ، بل إنه ملازم لفراشه ينتظر فرج ذي الفرج ، والتنفيس ممن بيده التنفيس سبحانه .

( 12 ) ودخلنا على غرفة فيها غلام عمره ( سبع عشرة ) سنة قد أصيب بحادث قبل ( ثلاثة ) أشهر ، فقد فيها وعيه ، فهو في غيبوبة تامة .

( 13 ) ورأينا رَجُلين قد جيء بهما قبل ( خمسة ) أشهر لا يشعران بوجودهما لإصابتهما بالغيبوبة .

( 14 ) ورأينا شاباً قد أوثقت يده بسريره ، فربطت يده اليمنى ؛ لأنه لا يحرك غيرها ، فلما سألنا عن سبب ربط يده قالوا : لأنه يحركها حركة لا شعورية فيضرَّ نفسه بخدش أو سقوط ، أو إزاحة غطاء ، أو كشف عورة ؛ لأنه لا يشعر بما حوله .

( 15 ) ورأينا من يرفع صوته بالشخير ، لكنه لا يشعر بمن حوله ، وإذا به مصاب بالضغط والسكر ، وهو مقطوع لا أقارب له .

( 16 ) ورأينا من يتلوى ويتأوه تأوهاً يذيب الحجارة الصلبة ، ويبكي العيون ، ويدمي القلوب ، فتارة يقبض على سريره بكل ما أوتي من قوة ، وتارة يطلقه ، وهكذا وهو مع ذلك لا ينفك عن التأوه والتوجع ، والله أعلم بمدى بما يشعر من آلام ، وما يقاسي من أوجاع ، فعسى الله ألا يحرمه الأجر .

( 17 ) ورأينا شاباً عمره ( سبع عشرة ) سنة قد وُلد لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم مع غيبوبة ونقص عقلي فلله الحمد .

( 18 ) ورأينا شاباً اسمه ( مرضي ) فيه ماء البهاء ، ونضرة الشباب ، إذا رأيته يُخيل إليك أنه مُعافى ، فعيناه ترمشان غير أنه في حقيقة أمره قد أصيب بغيبوبة كاملة ، وذلك في حادث مروري قبل ( شهر ) ، نقله الحادث إلى هذا المكان ، ونقل أخته إلى قسم النساء ؛ لإصابتها بمثل إصابته ، ونقل أمهما إلى قبرها لوفاتها في الحادث نفسه ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .

( 19 ) ورأينا رجلين شيخين كبيرين ، كان شأنهما عجباً ، كان على سريرين متقاربين ، أما أحدهما فقد بصره ، وجلس على السرير يحرك جسمه ويديه ، وكأنه يقود سيارة ، فلما سلمت عليه وصافحته ، أمسك يدي بكلتا يديه ، بطريقة غريبة ، ثم قال : ( عندك شيٍ من شِيني ) ؟! ، فقلت له : وش هو شِينك ؟ فأدخل أصبعه في فمه ومصه ، يشير إلى رغبته بالدخان ! فخرجنا منه ونحن نتفكر في أن من شبَّ على شيء شاب عليه ، إذ أخبرنا الأخصائي في المستشفى أن هذا الرجل الكبير كان سائقاً في أول حياته ، وكانت السيجارة لا تكاد تفارق فمه !

( 20 ) وأما الرجل الكبير الآخر فكنا نسمعه يؤذن ثم يقيم الصلاة بأعلى صوته ، وأخبرنا الأخصائي أن هذا الرجل كان مؤذناً أول عمره ، وأنه على هذه الحالة في فراشه بين وقت وآخر يؤذن ويقيم ؛ لاعتياده ذلك فترة من عمره !
( 21 ) ورأينا شيخاً في الستين من عمره يتكلم معك ويحدثك ، بل ربما آنسك وأضحكك ، غير أننا سألناه عن أولاده فقال بعبارته : ( الله يلعنهم ) فقلنا : يا عم ، قل : الله يهديهم ، فقال : ( الله لا يهديهم ، الله يلعنهم ، من يوم دخلت المستشفى ما زاروني ، ما فيهم خير ، يسكنون في الرياض ، والخرج ، ولا يزوروني، الله يلعنهم ) وهكذا يختم باللعن كما بدأ به ، وذلك من مرارة العقوق التي ذاقها ، وألم الحرمان الذي يقاسيه ، مع شلله وعدم قدرته على خدمة نفسه ، فنعوذ بالله من العقوق ، وغضب الوالدين .

أيها الأخ الكريم ، هذا بعضٌ مما رأينا في ( مستشفى النقاهة ) الموجود في جنوب الرياض ، وما خفي كان أعظم ، وما تفرق في الأماكن الأخرى والمدن العديدة فهو أكثر .
وينبغي ألا يغيب عن بالك بعض الدروس المستفادة من رؤية وسماع هذه القصص ، فمن الدروس :

1- أن نكثر من حمد الله – تعالى – وشكره على النعم العظيمة التي نرفل بها صباحاً ومساء ً .
2- ومنها ألا نحزن عند نزول مصيبة بحصول مكروه أو زوال محبوب ؛ لأن من نظر مثل هذه المصائب هانت عليه مصيبته .
3- ومنها أن نبادر بالأعمال الصالحة ما دمنا في صحة وعافية ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اغتنم خمساً قبل خمس " وذكر منها - صلى الله عليه وسلم- : " وصحتك قبل سقمك " رواه الترمذي والحاكم والبيهقي وصححه الألباني ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : " إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً " رواه البخاري .
4- ومنها أن ندعو لإخواننا المرضى والمبتلين بالمعافاة والأجر ، فالدعاء بظهر الغيب مستجاب .
5- ومنها أن نتخذ الأسباب التي هي من قدر الله ، كعدم التهور في السيارات وعدم السماح للسفهاء وصغار السن أن يؤذوا عباد الله بسيارات ربما أنهم لم يدفعوا فيها مالاً قليلاً ولا كثيراً ، ولم يفكروا بما تجنيه عليهم من أضرار وأخطار ، والعتب كل العتب على أولياء أمور هؤلاء السفهاء.
6- ومنها الحرص على عدم الوقوع في غضب الله – تعالى – وانتقامه ؛ وذلك ببر الوالدين وعدم عقوقهما ، فيا بؤس من لعنه والده ، أو غضب عليه .
7- ومنها ألا نبارز الله – تعالى – بالمعاصي ، فخير الله إلينا نازل ، وشرنا إليه صاعد ، يتحبب إلينا بالنعم ، ونتبغض إليه بالذنوب ، يا أخي العاصي – وكلنا كذلك – ألا تخاف أن يسلبك الله نعمة البصر التي طالما عصيت الله – تعالى – بها بمشاهدة المحرمات ؟ ألا تحذر أن يصمك الله – تعالى – فتفقد السمع ، وأنت لم تترك محرماً إلا استمعت إليه ، ألا تخشى أن تُخدم كما يُخدم الطفل بقيةَ عمرك ؟ احذر فإن الله – سبحانه- سريع الانتقام ، ذو البطش الشديد .
8- وأخيراً فمن الدروس الإلحاح بدعاء الله – تعالى – أن يمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أبقانا ، والدعاء بألا نُرد إلى أرذل العمر .

والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .




ليلة وفاء




بسم الله الرحمن الرحيم


ليلة وفاء


في ليلة من ليالي الوفاء غير المستغرب على هذه البلاد وأبنائها الأوفياء كانت معاني الوفاء قد تجلت في أبهى صورها ، ذلك عندما احتشد المئات من الحضور تكريماً لمعالي الدكتور ( غازي القصيبي) شفاه الله ، لا أظنني مبالغاً إذا قلت إن الحاضرين والحاضرات قد عاشوا جميعاً ساعات وفاء صادقة ، وأوقات صفاء إيمانية ، رائعة بحجم روعة المحتفى به تلك الليلة .
كنتُ مشدوداً إلى سعادة المحاضر الأستاذ ( خالد المالك ) ، الذي أسرنا بأسلوبه السلس ، وجذبنا بنبرته الهادئة ، وصوته المتدفق الأخاذ ، كنت أتساءل قبل بدء المحاضرة وماذا عسى المحاضر أن يأتي بجديد عن هذا العلم المحتفى به ؟ فإن شهرة ( القصيبي ) كادت توحي إلي ألا مزيد في الحديث عنه ! إلا أن سعادة الأستاذ ( خالد المالك ) قد وُفق بالإتيان بمعلومات لم تكن – في غالبها – مما دُوِّن في الكتب ، مما جعل تلقي المعلومة أوقع في النفوس .
أسجِّل إعجابي الكبير للأستاذ الكبير الأديب ( حمد القاضي ) الذي تكاد عيناه تتحدثان قبل لسانه ، كان بنبرته الصادقة في الحديث عن معالي الدكتور ( القصيبي ) يخاطب القلوب قبل العقول ، كان يرسل بصوته الأسيف رسائل الوفاء بأحلى حُلّة ، كنت ألمس فيه الإنسان الأديب الذي حرص على التعايش في تلك الأمسية بما تستحقه من بهاء وخشوع ووفاء.
أعجبتني كثير من ( مداخلات ) أصدقاء ومحبي معالي الدكتور ( غازي ) شعرها ونثرها ، إلا أنني كغيري من الحضور والحاضرات – فيما أظن – قد أنصتنا معجبين ، وتبسمنا مسرورين ، وكبّرنا متأثرين ، وصفقنا صادقين لأسلوب الأديب الكبير سعادة الأستاذ الدكتور ( عبد الله العثيمين ) ! فقد كان بحق ذا أسلوب سهل ممتنع ، جد ومزاح ، ارتقى نثره حتى خلته شعراً ، وسهل شعره حتى بدا نثراً راقياً ، وكذا يكون الكبار الواثقون !
ولم تكن الأجواء بعد المحاضرة والمداخلات بأقل روعة عنها حين المحاضرة ، فقد كان التواصل بين الحضور ، وتقدير الشباب للكبار أمراً واضحاً بجلاء ، وإنني لأشكر – على وجه الخصوص – تواضع سعادة الأستاذ ( خالد المالك ) على ما دار بيني وبينه من أحاديث تدخل في باب الوفاء – خاصة ما كان من موفقه الوفية الرضية مع والدتي رحمها الله –
شكراً ختامياً لحضرة أخي وزميلي الحبيب الأديب الأريب ( عبد الله الوشمي ) رئيس نادي الرياض الأدبي على إظهار هذه التظاهرة الثقافية بما خرجت عليه ، وشكراً له على تشريفي بالدعوة لحضور ليلة وفاء عسى أن تُشفع هذه الليلة بأخت قادمة ويكون فارسها معالي الدكتور ( غازي بن عبد الرحمن القصيبي ) حاضراً بشخصه وفكره وإبداعه سليماً معافى .


د/ إبراهيم بن عبد الله السماعيل


10 / 3 / 1431هـ

2010/04/22


بسم الله الرحمن الرحيم


الأمير (نايف) وما خفي أكثر وأفضل


من منا لا يشعر بالغبطة والسرور وهو يرى أو يسمع بين حين وآخر ما يقوم به هذا الرجل الكبير من أعمال خيرية واسعة النطاق ، متعدية النفع ، عظيمة الثمرة ، شاملة في الهدَف والفئة المستهدَفة ؟
غير خافٍ أن أيادي صاحب السمو الملكي الأمير (نايف بن عبد العزيز آل سعود) - حفظه الله - أيادٍ واضحة لكل ذي عينين ، ولا ينكر فضله ومعروفه وإخلاصه في خدمة دينه ووطنه إلا مغالط يحاول – خاسرًا – حجب نور الشمس بغربالٍ بالٍ متهالكٍ !
إن صاحب السمو الملكي الأميرَ (نايفًا) – فيما تشهد به أعماله – رجلٌ شمولي النظرة ، متعدد المنافع، لا يقتصر نفعه على قطاع دون قطاع ، ولا ينحصر دعمه لمنشط في مجال دون المجالات الأخرى، فهو مع تسنمه قمة الهرم الأمني الداخلي في كونه (وزير الداخلية) وما أدراك ما الداخلية شؤونها وشجونها! والأمير (نايف) مع انشغاله بأعباء الحج كلّ عام ، ومع متابعاته الدقيقة لأمور جسام في هذا البلد مترامي الأطراف ، إلا أن ذلك كلَّه لم يشغله عن متابعة مسابقة (القرآن الكريم) هنا أو هناك ، وأعماله الجليلة تلك لم تزاحم متابعته السنوية (الشخصية) للمسابقة الرائدة المميزة (مسابقة الأمير نايف للسنة) التي غدت شامة في جبين هذا البلد المعطاء ، ونورًا لهذه الأمة المنافحة عن سنة نبيها - صلى الله عليه وسلم - وهذه المتابعات الحاثة الخُطى الواثقة الدروب لم تثنِ صاحبَ الهمة العالية الأميرَ (نايفًا) عن الذود عن صمام أمان الأمة عن (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ذلكم الجهاز الذي كان ولا زال يلقى عناية ملوك هذه البلد المباركين من لدن المؤسس الملك (عبد العزيز) – طيب الله ثراه – ومن سار على نهجه من أبنائه الملوك – رحمهم الله أجمعين – إلى العهد الزاهر عهد خادم الحرمين الشريفين الملك (عبد الله) – حفظه الله تعالى - ومواقف سمو الأمير (نايف) في نصرة هذا الجهاز أكثر من أن تذكر .
إن جهود الأمير (نايف) جهود عملاقة من حقها أن تُفرَد لها الدراسات ، وتذاع للأجيال ، حتى يلمسوا ما عليه ولاة أمرهم من حرص أكيد على كلّ ما من شأنه أن يحفظ على الأمة دينها وأمنها !
أقول إن كثيرًا من هذه الجهود معلومة لكثير من أبناء جيلنا اليوم ، لكنني أحب الإشارة إلى موقف ربما لم يسمع به كثير من قراء هذه السطور ، أود أن أشير إلى موقف إسلامي إنساني رجولي من سمو الأمير (نايف) قبل ما يقارب (35) عامًا ! وتحديدًا عام (1397هـ / 1977م) ، حيث بذل سموه الكريم مكانته ووجاهته ومنزلته طالبًا من حكومة (كوريا الجنوبية) التعاون مع الاتحاد الإسلامي الكوري للسماح بإنشاء (جامعة) على نفقة حكومة المملكة العربية السعودية ، في عهد الملك الصالح (خالد) – رحمه الله – وهذا ما تم بفضل الله ، ومن ذلكم الحين والجامعة قائمة على سوقها تعجب الغيورين على مصالح هذا الدين.
ولنا أن نتصور مدى النفع الذي تحقق من إنشاء تلك (الجامعة) في ذلكم المكان خلال هذه العقود، فكم كان فيها من دروس ! وكم تلي فيها كتاب الله تعالى ! وكم تخرج فيها من حافظ لهذا الكتاب العزيز !
إننا - بحسن الظن بالله تعالى – لنرجو أن يكون أجر وذخر هذه المدرسة وما كان فيها من نفع كبير ، أن يكون ذلك كله في ميزان حسنات هذا الأمير المبارك (نايف بن عبد العزيز آل سعود ) حفظه الله تعالى ، كان ذلكم شيئًا من جهود هذا الأمير المبارك ، ولعل ما خفي من أعمال سمو الأمير أكثر وأفضل!
إن ما دفعني إلى شرف كتابة هذه المقالة هو إطلاع كثير من أبناء هذا الوطن على جهد عظيم لرجل من رجالات هذا البلد المخلصين ؛ ليعلموا علم اليقين ، وليترجموا هذا العلم إلى أرض الواقع فيعرفوا الحق الواجب لهذا الرجل الهُمَام ، الذي تراه حين تراه فترى (الأنموذج) الأمثل للغيور على دينه ، المحبِّ لوطنه ، الساعي على مصالح أبنائه ، وإنني إنما أكتب هذه المقالة ليزداد أبناء هذا الوطن لهذا الوطن محبة وانتماءً ، ولهذا الأمير إخلاصًا ودعاءً ، وبحفظ الله دمتم .

د / إبراهيم بن عبد الله السماعيل

ias1429@gmail.com

2010/04/08


بسم الله الرحمن الرحيم
[نشرت في جريدة الجزيرة يوم الخميس
23/4/1431هـ الموالفق8/3/2010م]
( شقراء ) بلدة طيبة ويوم السرور


بلدة طيبة ، وأهلها في سرور ، تلك هي ( شقراء ) يوم الخميس السادس عشر من هذا الشهر ربيع الآخر ، حيث توافد ضيوفها وأهلها من محبيها ومحبي أهلها ، توافدوا مع الصباح الباكر ، ليجتمع الجميع مسرورين مغتبطين باستقبال أحد أبناء ( شقراء ) البررة ، معالي الشيخ الدكتور / محمد بن عبد الكريم العيسى ( وزير العدل ) – حفظه الله تعالى - الذي رعى مناسبة شقراء السنوية ( جائزة الجميح لحفظ القرآن الكريم والتفوق العلمي ) تلك الجائزة التي تعكس اهتمام أسرة ( آل الجميح ) المباركة بالقرآن الكريم ، وبالعلم وأهله ، وذلك ليس مقصورًا على ( شقراء ) فحسب ، ففضل ( آل الجميح ) يعلمه من له أدنى متابعة لأعمال الخير في هذا البلد المبارك المعطاء ، لكنّ هذه الجائزة في عامها الثامن ذات بصمة خاصة ، وطابع مميز ، في الحراك العلمي في هذه المحافظة المباركة بأهلها ، والمتأمل في مشاهد الحفل المشار إليه يرى التفاف الناس بعضهم حول بعض ، فالكل في قاعة الاحتفال بين مسلِّم ومرحِّب، والكل هاش باش ، ترى أن كل أهل شقراء على قلب واحد في الترحيب بزوارها ، ومن أجمل الجميل في الموضوع ذاك التواضع الكبير من أرباب الجائزة ، وعلى رأسهم صاحبا السعادة الشيخ / محمد بن عبدالعزيز آل الجميح ، والشيخ / حمد بن عبد العزيز آل الجميح – حفظهما الله تعالى – حتى إنني لأقرأ البِشر في محياهما أثناء تكريم أبنائهم المتفوقين وحفظة القرآن الكريم ، أما راعي الحفل معالي ( وزير العدل) الشيخ الدكتور / محمد بن عبد الكريم العيسى فقد أعجبني وأظن الحضور يشاركونني الإعجاب بمعاليه ، في سمته ، وصمته ، وبيانه إبّان نطقه ، فقد كانت كلمته ( المرتجلة ) مثالاً على حسن بيانه ، وجميل عباراته ، وعمق مضمونه ، وسعة علمه ، وواسع إدراكه ، مع سلامة مما يكدر الأسماع من حيث الأخطاء النحوية ، فهو الوزير المثقف المتواضع ، ولا غرو فالشيء من معدنه لا يُستغرب ! فهو أحد أبناء شقراء البررة ، وهو ممن منَّ الله عليه بالعلم الشرعي ، الذي يهذب النفوس ، ويرقى بالهمم ، ويكمّل محاسن الأخلاق .
إن رعاية ( معالي الوزير ) لهذه المناسبة الكريمة تعكس اهتمام الحكومة الرشيدة بالأهالي في وطننا الغالي ، وتبين التحام القيادة بأمرائها ووزرائها بإخوانهم وشعبهم ، وكيف أن الجميع في مكانة واحدة ، وعلى مأدبة واحدة .
وأما دور إدارة التعليم في هذه المناسبة فهو الدور الرائد ، فلهم الشكر على العناية بالجائزة ، وعلى إخراج الحفل بهذه الصورة التي خرج فيها ، حفل سعيد في لباس قشيب، وإن المتابعة الدقيقة لسعادة مدير التعليم في محافظة ( شقراء ) الأستاذ / عبد العزيز المسند ( أمين الجائزة ) ، إن تلك المتابعة لدليل بين على مدى تجنيد إدارة التعليم العاملين فيها في إنجاح هذه المناسبة التي تعني بنجاحها نجاح المحافظة عامة .
وبما أن ( اللجنة المنظمة ) قد شرفتني أن أكون شاعر المناسبة هذا العام فإنني أشكر لهم هذا التكريم الذي وجدت نفسي فيه ، حيث إنني من محبي هذه المحافظة وممن المعجبين بكثير من أهلها وشهادتي فيهم مجروحة لأن المثل العامي لدينا يقول ( اليد مغراف القلب ) وأنا أضيف ( القلم مغراف القلب ) فقلمي وجد ريشته مسترسلة في الثناء على ( آل الجميح ) ، ومعالي الوزير ، وأهل ( شقراء ) الأوفياء :
نُورٌ تألَّقَ مِنْ ( شَقْراءَ ) قدْ سَطَعَا
( شَقْراءُ ) قدْ فَخَرَتْ أنْ حلَّ مَرْبَعَها
في مَحْفَلٍ زَادَهُ عِزّاً ومَفْخَرَةً
إيهَ ( ابنَ عِيسَى ) لَكُمْ في القلبِ مَنْزِلَةٌ
( وزيرُ عَدْلٍ ) لهُ فَضْلٌ ومَكْرُمَةٌ
( آلُ الجُميحِ ) بِهَذا اليومِ عادَتُهُمْ
اليومَ جائزَةُ القومِ الكِرامِ الأُلى
(آلُ الجُميحِ) وَمَنْ مِثْلُ (الجُميحِ) سَنَا؟!
في مَحْفَلٍ مِنْهُ وَهْجُ العِلْمِ قَدْ لَمَعا
قومٌ كِرامٌ بِهمْ ذا الفَخْرُ قدْ جُمِعا
أنَّ (الوَزيرَ) إلى أفْيائهِ انتَجَعَا
يا سَلَّمَ اللهُ هذا البَدْرَ إذْ سَطَعَا
رأيٌ حَصيفٌ وَصَوتٌ بِالهُدى صَدَعَا
إضْفاءُ جُودٍ بِهِ المِعْطَاءُ قَدْ طُبِعَا
قَدْ شَجَّعُوا العِلْمَ يَا لَلَفَضْلِ مَا صَنَعَا !
أفعالُهمْ شُهِدَتْ والقَولُ قَدْ سُمِعَا

و إلى الجميع وافر التقدير ، وبحفظ الله دمتم .

د / إبراهيم بن عبد الله السماعيل
ias1429@gmail.com

2010/03/23


بسم الله الرحمن الرحيم
الأمير ( بندر السديري ) مات ولم يغِب !

رحم الله الأمير ( بندر بن أحمد السديري ) ووالديّ والمسلمين ، رحل الأمير( بندر ) قبل سبع سنوات، وذِكره باق في الناس ، وكأنه حاضر في مجلسه الذي طالما عمره بالنُخَب من العلماء والمفكرين، والوجهاء والوزراء والدبلوماسيين ، ورجال الأعمال والفقراء والمحتاجين !
ذِكر الأمير الراحل ( بندر ) باقٍ بفضل الله تعالى إذ جعل له أولادًا صالحين ، يسيرون على ما كان أبوهم سائر عليه من الكرم ، وحب الناس ، وسروره بخدمة الآخرين
وينشأ ناشىء الفتيان فينا على ما كان عوَّدهُ أبوهُ
لقد كان اجتماع الخميس الماضي في مزرعة الأمير ( بندر ) رحمه الله ووالديّ والمسلمين خير دليل على أن المرء إذا كان عقبه أمثال الأمير (أحمد بن بندر ) وإخوانه الأمراء ( سلمان ونايف وتركي ) فإنه حيٌّ بين الأحياء ولو واراه الثرى ، ورُصّت عليه اللبنات منذ أعوام !
إن بِرَّ الأمير ( أحمد بن بندر ) وإخوانه لشاهد على حسن تربيتهم ، ومنارة على علو كعبهم في الأخلاق التي اقتبسوها من أبيهم الراحل ، إذ إن كلَّ مَن حضر ذاك المنتدى الأدبي العلمي الاجتماعي يشهد بجميل صنيعهم ، وحسن استقبالهم ، وكرم ضيافتهم .
ولعل أول ما يشدّ انتباه الحاضرين ، ويثير إعجاب ضيوف تلك الليلة ما قامت به اللجنة الفنية للمنتدى من إعداد ( فيلم وثائقي ) مصوّر عارضًا حياة سمو الأمير ( بندر ) منذ النشأة ، مشيرًا إلى مراحل تعليمه ، مع ذكر شيوخه في ( الغاط ) والذي أسعدني وشرفني أن يكون أول شيوخه المذكورين في هذا العرض هو عمي الشيخ ( سليمان بن محمد السماعيل ) رحمه الله تعالى ، وهكذا كنا نعيش مع هذا التوثيق الرائع وكـأننا نتقل معه من الغاط إلى دخنة إلى الملز فالناصرية .
حقًا لقد كانت تلك الليلة المباركة ليلة متنوعة المعاني ، جميلة المباني ، متعددة البرامج ، ثريّة الأطروحات، فإن شئت أن تستمع إلى حديث عن ( الإبل ) مقرون بالإعجاز العلمي فيها فستجد البرفسور المتخصص الذي يحدثك عن ذلك صوتًا وصورة، وإن تاقت نفسك إلى لذيذ الشعر ( فصيحه ، وعاميّه ) فإن مداخلات الشعراء سترويك وتغنيك ، وهو مجلس لم يخل من موعظة صادقة ، ونصيحة هادفة ، وكلمات مجرّبين ، وإبداعات شبابية مازجت بين الأصالة والمعاصرة .
ومن أجمل الجميل في ذلك المنتدى التميز في حضوره ، إذ ضم المجلس أصحاب السمو ، والمعالي والفضيلة ، والسعادة ، كما ازدان المحفل بالضيوف الكرام من خليجنا الغالي ، ووطننا العربي ، والأصدقاء غير العرب ، والكل – رغم كثرة عددهم – قد اتسع لهم صدر المضيف الكريم الأمير ( أحمد بن بندر ) قبل أن يتسع لهم مجلسه الفسيح ، فأنت لا ترى الأمير ( أحمد ) إلا مرحِّبًا بهذا ، باشًّا بذاك ، مستقبلا القادم ، وقائمًا للصغير والكبير ، حتى يكاد يرى أي ضيف في ذلك المجلس – مهما كان - أنه هو المدعو الرئيس فيه لما يجده من تواضع وحفاوة الأمير ( أحمد ) وإخوانه به وترحيبهم الصادق به بين وقت وآخر .
وإنني إذ أشكر أصحاب السمو الأمير ( أحمد ) وإخوانه على برّهم أباهم وإحياء ذِكره ، وتجديد الترحم عليه فإنني أسأل الله أن يزيد مثل هذه الصور المشرقة في سماء وطننا الأصيل ، وأدعو كلّ راغب في البر أن يحذو حذو هؤلاء الكرام ، ومن المقترحات لراغبي البرّ بوالديهم الراحلين أن يحرصوا على إقامة مراكز اجتماعية، ومؤسسات خيرية تخدم المجتمع وتقوم على سد حاجة المحتاج ، وإعانة الراغبين بالزواج، وقضاء الديون ، مع العناية بالمشاريع التعليمية ، والمناشط التربوية ، وخدمة الشباب ، وتثقيفهم ضد ما يُراد بهم من انحراف فكري أو خُلقي ، وإقامة الدورات ، وتعليم المهن التي تعين الفقير أن يعين نفسه ، ومن المستحسن أن تحمل هذه المراكز ( أسماء ) من نريد برّهم إحياءً لِذكرهم ، وتجديدًا للترحم عليهم ، ورُبّ دعوة ملهوف توافق باب إجابة تكون من خير البرّ وأعظم الوفاء .
وختامًا فإنني أسأل الله للأمير ( بندر ) ولوالديّ والمسلمين رحمة منه تعالى ، وأسأله أن يجعل في ذرياتنا أمثال هؤلاء الأبناء البررة ( أحمد ) و ( سلمان ) و ( نايف ) و ( تركي ) أبناء الرجل الذي مات ولم يغِبْ .

د / إبراهيم بن عبد الله الغانم السماعيل

ias1429@gmail.com
الجمعة 3 / 4 / 1431هـ

2010/03/10


بسم الله الرحمن الرحيم
عرض كتاب (عبد الله بن حمد الحقيل سيرة أدبية)
كتاب لا تشعر بأناملك حين تلامس أول صفحاته وإلا وهي في صفحته الـتسعين بعد المئة، لما في هذا الكتاب من التشويق ، والمتعة ، والفائدة ، اسم الكتاب ( عبد الله بن حمد الحقيل سيرة أدبية ) للمؤلف الأستاذ الأديب (عبد الله الزازان) ، ولكم كانت سعادتي كبيرة ذلك المساء الذي أهداني الأستاذ الكبير ( عبد الله بن حمد الحقيل ) هذا الكتاب ، أهدانيه بابتسامته العفوية التي لا تكاد تفارق محياه ، وعندما رجعت إلى منزلي سارعت إلى قراءته ليلتي تلك ، فشدني ما في الكتاب من تجارب شخصية لرجلٍ من رجالات هذا الوطن المعطاء ، السيرة الأدبية المبثوثة في هذا الكتاب القيّم لا تقف فائدتها على عرض سيرة الأستاذ القدير ( عبد الله بن حمد الحقيل ) مع أنها سيرة بحد ذاتها عاطرة تستحق الوقوف ، ولكن مما يزيد أهمية هذا الكتاب أنك تقرأ حقبة من تأريخ وطننا في مرحلة التأسيس ، حيث أهمية الريادة في كثير من الأمور ، ومن أجلها ميراث الأنبياء عليهم السلام ، التربية والتعليم ، وإنشاء المدارس، والسفر لافتتاح مدرسة في الشمال أو الجنوب أو هنا أو هناك من أطراف البلاد المباركة.
بدأ المؤلف الأستاذ عبد الله الزازان بكلمة للأستاذ الحقيل بعنوان (خلاصة تجربة ) ، ثم عقد المؤلف فصلاً بعنوان (تجارب وذكريات ) عرض فيها لبدايات دراسة الأستاذ الحقيل حيث كانت المرحلة الابتدائية في المجمعة المدينة الوادعة ، ثم ما تبع ذلك من مشقة السفر في الرحلة البرية الشاقة عبر الفيافي والمهامه والمفاوز والرمال للالتحاق بدار التوحيد بالطائف ، ومواصلة التعليم والتخرج في كلية اللغة العربية سنة 1378هـ ، ثم يجد القارىء ابتعاث الأستاذ الحقيل إلى أماكن عديدة في بيروت وأمريكا ، وما صحب ذلك من مواقف عديدة ، ثم نصل إلى مؤلفات أستاذنا الكبير (عبد الله الحقيل ) التي قاربت العشرين مؤلفاً ، بدءاً بكتاب ( كلمات متناثرة ) الذي نشر عام 1390هـ ، وشعار أستاذنا الكبير في مؤلفاته هو "خير القول ما صدق فيه قائله وانتفع به قارئه" ، ثم وصلنا إلى شِعْر الأستاذ الحقيل وموضوعاته المتنوعة،وفي (في مرآة المثقفين ) نقتطف ما كتبه الأستاذ حمد القاضي في إحدى مناسبات تكريم الأستاذ الحقيل ، حيث قال :" ...وكنت له رفيق سفر ، فما رأيته معانداً في رأي أو مغاضباً لصديق ، إنه لا يبتعد عن لغة الحلم ، ولم يبدل بها تبديلاً ، و لم أره طوال علاقاتي به غاضباً أو حانقاً أو منفعلاً ، إنه (بحيرة من الهدوء) في حالتي الغضب والرضا ..." ، ويذكر المؤلف في فصل خاص (الحوارات الصحفية ) مع الأستاذ عبد الله الحقيل ، وفي فصل هو غاية في المتعة والفائدة عنونه المؤلف بـ(أدب الرحلات) مقتبساً مادة هذا الفصل من كتاب قيم للأستاذ الحقيل بعنوان (رحلات وذكريات) ، حتى إن الأستاذ الحقيل يكاد يغنيك عن ( السَفَر ) بِدِقة وصفه في هذا (السِفْر) الجميل الذي سطرته أنامل الأديب الرحالة.
ثم نصل إلى ما حظي به الأديب الأستاذ عبد الله بن حمد الحقيل من حضور ثقافي واسع على مستوى العالم العربي ، من خلال (المؤتمرات والندوات والدراسات والأبحاث) التي قاربت الخمسين ما بين : مؤتمر ، وندوة ، وملتقى ، ومنتدى ، ومحاضرة ، في المملكة والخليج والدول العربية.
ويختم المؤلف فصول هذا الكتاب الماتع بـ(صور من التكريم) للأستاذ الكبير على مستويات رفيعة من مثل مقام خادم الحرمين الشرفين ( ولي العهد آنذاك ) حفظه الله تعالى ، ومثل صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز حفظه الله تعالى ، وأصحاب السمو ، والمعالي ، والسعادة ، ويشير إلى(مصادر ومراجع عن سيرة عبد الله بن حمد الحقيل)ويلحق الكتاب بصور للأديب الحقيل في (من ذاكرة الصور) .
وختاماً فإن عرض الأستاذ (عبد الله الزازان) لسيرة رجل في مستوى الأستاذ عبد الله بن حمد الحقيل ، إن هذا العرض يضيف على الساحة الأدبية إضافة بالغة الأهمية ، ويربط الجيل الحالي بالجيل السابق وفي كلٍّ خيرٌ ، ولعل في الوقوف على أمثال هؤلاء المؤسسين يزداد أهمية بضرورة المحافظة على هذه المقدرات الثقافية والمخرجات التعليمية التي تزخر بها بلادنا الغالية المملكة العربية السعودية ، فشتان بين سواعدَ تبني ومعاول تهدم ، أيها الأستاذ الكبير (عبد الله بن حمد الحقيل ) لقد غرستم أشجار الزيتون فأكلت منها أجيال متتابعة ولسان حالكم يقول لجيلنا اغرسوا أيها الشباب في أرض وطنكم المعطاء فأرضه خصبة وتربته مباركة لعلها أن تؤتي ثمارها ولو بعد حين ، وكأني بوحي هذه السيرة العطرة يقول للجيل الناشىء : إن من كان يسافر إلى الحجاز مسيرة عشرة أيام صار يطير اليوم في الدرجة الأولى ليصل مبتغاه في سويعات ، فلا تتعجلوا الثمرة أيها الناشئة واقرؤوا مثل هذه (السِيَر) وواصلوا (السَير).

د/ إبراهيم بن عبد الله الغانم السماعيل

15/3/1428هـ

2010/03/09

مجلس سلمان شاهد عيان


بسم الله الرحمن الرحيم

مجلس سلمان شاهد عيان

ينتابني شعور الفخر كلما غشيت مجلس صاحب السمو الملكي الأمير ( سلمان بن عبد العزيز آل سعود ) أمير منطقة الرياض ، مجلس ذلك الأمير المحبوب ، الذي إن سكت نطقت عيناه بما يكن لمواطنيه من محبة ، ولزائريه من تقدير ، وإن نطق فلا تسل عن حكمة متدفقة ، وتجارب حياة عامرة ، وموروث معلوماتي يصح أن يُسمّى ( موسوعي ) ، وقدرة على ترتيب الكلام ترتيبًا منطقيًا ربما لا يتمكن منه من يكتب الكلام كتابة ، فضَلا عمن يرتجُله ارتجالاً كما هو الشأن مع الأمير ( سلمان ) !
في هذا المجلس العامر المتكرر انعقاده أسبوعيًا ، ترى العجب من إلمام سمو الأمير بقضايا التاريخ في عصوره المختلفة ، واستحضاره الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية – على صاحبها الصلاة والسلام – واستشهاد بأشعار العرب وقصصهم ، وربط ذلك كله بالواقع بأسلوب راقٍ بعيدٍ كلّ البعد عن التكلف ، يلقى على الحضور محاضرة فكرية في أسلوب ( حديث مجالس ) يأخذ بعضه برقاب بعض ، وتدعو الكلمة فيه أختها ، وترتبط اللاحقة بالسابقة ، ولا تنفر السابقة عن اللاحقة !
في مجلس الأمير ( سلمان ) إن شئت أن تطلع على الواقع المعاصر اطلعت عليه من رجل الواقع والمسئولية بنظرة ثاقبة حكيمة ، وإن شئت التحليق في سماء الفكر فإن الفكر الرزين ينصب إليك انصبابًا، وإن تاقت نفسك إلى حكمة شاردة أو مثل شائع فلن تفتقده في حديث سموه ، وإن تطلعت نفسك إلى ترويح في الحديث فإن الابتسامة الصادقة، والطرفة الحاضرة تتخلل أحاديث سموه وتزيّنه وتزيده قبولاً .
وفي مجلس ( الإثنين ) الماضي تطرق سموه إلى أحاديثَ أكادُ أجزمُ أنّ محاضرًا بارعًا ومتحدثَا مفوّهًا لو حاول محاكاته لأعياه الأمر ! فقد تحدث سموه عن قضايا عديدة، كان منها شهادته الجميلة لأبناء وطننا الغالي ، لشبابنا الكرام بأن ( الأغلبية الساحقة منهم متوسطون ) وأن من يخالف منهج الوسطية في مجتمعنا ( فئة قلية ) وهم على طرفي نقيض ، إما ( متشددون في الدين ) ، وإما ( لا دينيون ) والتعبير لسموه الكريم ، وأن كلاً من هذين الطرفين بتصرفاته يذكي فتيل الطرف الآخر ، ثمَّ شبههم سموه بتشبيه عصري بديع ، وهو أن الفريقين المتطرفين كفريقي ( كرة قدم ) كلٌّ يلقي الكرة على الآخر ، فيردها الآخر عليه ! ويا لَه من تشبيه – ليته وأمثاله مما يُهدى إلى كتب بلاغتنا العربية المحتاجة إلى ( عصرنة ) في بعض أمثلتها –
وما أجمل ما أشار إليه سموه في أسلوب يأخذ بالألباب عندما أشار إلى فرحه بمن يهدي إليه النصيحة بآدابها المعروفة مستشهدًا سموه بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيح " الدين النصيحة " ، مبيّنا أن مَن له حق فليبيِّنه بدليله ، ولو أن حقّه ( حُقيق ) كما يقول سموه متبسِّمًا ، وإن أعجب فَعجبي من رَجل بحجم الأمير ( سلمان بن عبد العزيز ) لم يُشغله منصبُ أو يُلهِه عمَلٌ أو تأخذه أضواء ، لم يُشغله ذلك كلُّه عن الحقيقة التي لا مراء فيها ولا جدال ، تلكم هي حقيقة الحياة أو كما عبَّر عنها سمّوه بأن الإنسان مهما بلغ فسوف يدخل في ( حُفيرة صغيرة ) ذلكم هو القبر ، ثم قال أين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأين مؤسس هذه البلاد ؟ وغيرهم الكثير كلهم في القبور الآن ! يا لها مِن موعظة أمير ، وموعظة الأمير أميرة المواعظ !
إنَّ متحدثّا مثل الأمير ( سلمان ) يملك أن يجبرك على الابتسامة لشاردة أوردها ثم هو في المجلس ذاته يلزمك – بطوعك – أن تغرورق عيناك بالدمع لموعظة صادقة نطق بها ، إن هذا المتحدث لهو أهل أن يُحبَّ ويُحترم ، ويُدعى له بظهر الغيب بكل دعاء صالح .
وإنَّ مجلس الأمير ( سلمان بن عبد العزيز ) الذي فيه يُرى احترام الرجال ، وصدق المحبة والوفاء ، وتجمع الأطياف ، وتعانق القبائل والأجناس ، إن هذا المجلس يصحّ أن يُطلق عليه دون مبالغة ( مجلس سلمان شاهد عيان ) حقًا إن مجلسكم يا سمو الأمير مفخرة العاصمة ( الرياض ) كما هو الشأن فيكم يا صاحب المجلس ، وبحفظ الله دمتم .

د / إبراهيم بن عبد الله السماعيل

23 / 3 / 1431 هـ
ias1429@gmail.com

صيفنا اللهاب



بسم الله الرحمن الرحيم


صيفُنا اللَّهابُ


يحفل تراثنا العربي بكمٍّ غير قليل من ذكر (الصيف) في شعره ونثره ، فمن واصفٍ للصيف ، ومن مادح لبعض جوانبه ، ومن ذاكرٍ لخصائصه ، ومن مبيِّنٍ لمحاسنه ، ومن آخرَ مشيرٍ لمساوئه .
فهاهم يصفون الشيء السريع الزوال بسحابة الصيف التي لا تمكث في السماء كثيراً ، ولهذا فمن أمثال العرب المشهورة :سحابة صيفٍ عن قليلٍ تنقشع ، ومن ذلك أخذ شاعرهم هذا المعنى، فقال:
وما المالُ إلاّ مُزْنُ صَيفٍ وقلَّما يدومُ ويجدي للصَّدى ذلكَ الطشُ


ومن مزايا الصيف التي ذكرها العرب قديماً أن الرؤوس تُكشف فيه هروباً من الحرارة، وفراراً من أي عبءٍ حتى ولو كان عبءَ اللباس :
لو قدْ أتى الصيفُ الذي فيهِ رؤوسُ الناسِ تُكشفُ

وإذا كانت حرارة الصيف تستلزم مزيدَ عنايةٍ بالدواب ؛ إكراماً لها ، وصوناً لها من الهلكة ، والإعياء ، فإنَّ العربَ تفطنوا لذلك ، وأثنوا على الدواب التي تنال قَدْراً من الإكرام، ومدحوا صاحبها المشفق عليها ، فقالوا :
جيادُكَ في الصيفِ في نِعْمَةٍ تُصانُ الجلال وتُنطى الشَّعيرا

بل إنَّ هناك (دلعاً) خاصاً للبرذون الذي يتمتع بإجازته السنوية في فصل الصيف ، فها هو الجاحظ يقول : ولو طحن ( البرذون ) يوماً واحداً في الصيف لسقط .
ولعل (البرذون) معذور في عدم عمله في الصيف ، ذلك أن الصيف قد يحرق المنازل ، فقد ذكروا أن الحيرة أرض باردة في الشتاء، وفي الصيف ينزعون ستور بيوتهم مخافة إحراق السمائم لها .
وإذا كانت بعض نسائنا يضجرن من ولادتهن في فصل الصيف لما يلاقين من مكابدة الصيف ، ويتضمرنَ من حرارة الجوّ ، فإنا نقول لنسائنا هؤلاء : من العزاء لكنّ أن تعلمن أنَّ خلقاً من خلق الله تعالى لا يلد إلى في الصيف ، فهذه كتب الأدب تذكر لنا أنَّ (الدلفين) له لبن، ويرضع، ويحمل عشرة أشهر، وتلد في الصيف ولا تلد في زمانٍ آخر ألبتة ، فبعد حمل عشرة أشهر تلد في الصيف ، ولله في خلقه شئون !
وإليك أيها القارىء الكريم هذه الحكاية الطريفة : قال إبراهيم بن السندي: نظر رجلٌ من قريش إلى صاحب له قد نام في غداةٍ من غدوات الصيف طيبة النسيم، فركضه برجله وقال: ما لك تنام عن الدنيا في أطيب وقتها، نم عنها في أخبث حالاتها، نم في نصف النهار لبعدك عن الليلة الماضية والآتية، ولأنها راحةٌ لما قبلها من التعب، وجِمامٌ لما بعدها من العمل، نمت في وقت الحوائج، وتنبهت في وقت رجوع الناس ( لم يقتصر تلذذهم على ليل الصيف ، بل حتى فيما يقرب منه ، ربما كانوا " يواصلون " ، وقد يكون السبب أنه ليس عندهم سوق أسهم ، يجبرهم على القيام ضحى الصيف !! )

وإذا كان الناس لا يكادون اليوم يملكون أنفسهم عند رؤية البطيخ ، فإن أسلافهم العرب قد ذكروا شدة ولعهم بالبطيخ في فصل الصيف ، فهذا شاعرهم ( العيّار ) يرسم أحلى دعاية مجانية لبائعي البطيخ فيقول :
ومن لم يكن في الصيفِ بطيخُنا له فكيف يرجّي عمره ويعيش؟!

لكنَّ بعض الناس لا يروق له شيءٌ في الصيف ؛ لأن حرارة الصيف تذهب رونق الفواكه وتمنع لذة الأكل:
إنَّ كان في الصيف أثمارٌ وفاكهة فالأرضُ مستوقدٌ والحَرُّ تنورُ

ومن بدائع تشبيهات العرب أنهم يشبهون الشيء الطويل الممتع المتعب بنهار الصيف، لطوله وعدم إمكان الحركة فيه ، وعدم القدرة على النوم فيه ، فها هو الشاعر يقول :
لنا صديقٌ مليحُ الوجهِ مقتبلٌ وليسَ في ودِّهِ نَفعٌ ولا بَرَكَهْ

شبَّهتُهُ بنهارِ الصَّيفِ يوسِعُنا طُولاً ويمنعُ مِنَّا النَّومَ والحَرَكَهْ

ومن طرائف ما يُنسب إلى (جحا) إشارته إلى أن فصل الصيف ربما أذاب الإنسان من حرارته ، قيل لجحا: ما لوجهك مستطيلاً؟ قال: ولدتُ في الصيف ، ولولا أن الشتاء أدركهُ لسال وجهي .
ولأنَّ من عادة العقرب أنْ تؤذي الناس صيفاً فإنها تختفي عنهم شتاءً : قيل للعقرب: لم لا تشمسين في الشتاء مع الناس ؟ قالت: من كثرة إحساني إليهم في الصيف !!
ومن العجائب أن بعض (سهرات) الصيف تبدأ بلهوٍ وتنتهي إلى ما لا تُحمد عقباه، ومن ذلك أن الحسين بن الضحاك شرب يوماً عند إبراهيم بن المهدي، فجرت بينهما ملاحاةٌ في أمر الدين والمذهب، فدعا له إبراهيم بنطع وسيف وقد أخذ منه الشراب، فانصرف وهو غضبان. فكتب إليه إبراهيم يعتذر إليه ويسأله أن يجيئه. فكتب إليه:
نديمي غير منسوب إلى شيءٍ من الحيفِ

سقاني مثل ما يشرب فعلَ الضيفِ بالضيفِ
فلما دارت الكأسُ دعا بالنّطعِ والسيفِ

كذا من يشرب الخمر معَ التنينِ في الصّيفِ
قال: ولم يَعُدْ إلى منادمتِهِ مدةً .

وأخيراً فأعاننا الله تعالى على شكر النعيم الوارد في قوله تعالى: " ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم " قالوا: النعيم: الظلُّ ، والماء البارد في الصيف.

د/ إبراهيم بن عبد الله الغانم السماعيل

10 / 6 / 1428 هـ